سيد قطب
3288
في ظلال القرآن
وكيف ينصر المؤمنون اللّه ، حتى يقوموا بالشرط وينالوا ما شرط لهم من النصر والتثبيت ؟ إن للّه في نفوسهم أن تتجرد له ، وألا تشرك به شيئا ، شركا ظاهرا أو خفيا ، وألا تستبقي فيها معه أحدا ولا شيئا ، وأن يكون اللّه أحب إليها من ذاتها ومن كل ما تحب وتهوى ، وأن تحكمه في رغباتها ونزواتها وحركاتها وسكناتها ، وسرها وعلانيتها ، ونشاطها كله وخلجاتها . . فهذا نصر اللّه في ذوات النفوس . وإن للّه شريعة ومنهاجا للحياة ، تقوم على قواعد وموازين وقيم وتصور خاص للوجود كله وللحياة . ونصر اللّه يتحقق بنصرة شريعته ومنهاجه ، ومحاولة تحكيمها في الحياة كلها بدون استثناء ، فهذا نصر اللّه في واقع الحياة . ونقف لحظة أمام قوله تعالى : « وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ » . . وقوله : « إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ » . . وفي كلتا الحالتين . حالة القتل . وحالة النصرة . يشترط أن يكون هذا للّه وفي سبيل اللّه . وهي لفتة بديهية ، ولكن كثيرا من الغبش يغطي عليها عندما تنحرف العقيدة في بعض الأجيال . وعندما تمتهن كلمات الشهادة والشهداء والجهاد وترخص ، وتنحرف عن معناها الوحيد القويم . إنه لا جهاد ، ولا شهادة ، ولا جنة ، إلا حين يكون الجهاد في سبيل اللّه وحده ، والموت في سبيله وحده ، والنصرة له وحده ، في ذات النفس وفي منهج الحياة . لا جهاد ولا شهادة ولا جنة إلا حين يكون الهدف هو أن تكون كلمة اللّه هي العليا . وأن تهيمن شريعته ومنهاجه في ضمائر الناس وأخلاقهم وسلوكهم ، وفي أوضاعهم وتشريعهم ونظامهم على السواء . عن أبي موسى - رضي اللّه عنه - قال : سئل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - عن الرجل يقاتل شجاعة ، ويقاتل حمية ، ويقاتل رياء . أي ذلك في سبيل اللّه ؟ فقال : « من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه » « 1 » . وليس هنالك من راية أخرى ، أو هدف آخر ، يجاهد في سبيله من يجاهد ، ويستشهد دونه من يستشهد ، فيحق له وعد اللّه بالجنة . إلا تلك الراية وإلا هذا الهدف . من كل ما يروج في الأجيال المنحرفة التصور من رايات وأسماء وغايات ! ويحسن أن يدرك أصحاب الدعوة هذه اللفتة البديهية ، وأن يخلصوها في نفوسهم من الشوائب التي تعلق بها من منطق البيئة وتصور الأجيال المنحرفة ، وألا يلبسوا برايتهم راية ، ولا يخلطوا بتصورهم تصورا غريبا على ضيعة العقيدة . لا جهاد إلا لتكون كلمة اللّه هي العليا . العليا في النفس والضمير . والعليا في الخلق والسلوك . والعليا في الأوضاع والنظم . والعليا في العلاقات والارتباطات في كل أنحاء الحياة . وما عدا هذا فليس للّه . ولكن للشيطان . وفيما عدا هذا ليست هناك شهادة ولا استشهاد . وفيما عدا هذا ليس هنالك جنة ولا نصر من عند اللّه ولا تثبيت للأقدام . وإنما هو الغبش وسوء التصور والانحراف . وان عز على غير أصحاب الدعوة للّه أن يتخلصوا من هذا الغبش وسوء التصور والانحراف ، فلا أقل من أن يخلص الدعاة إلى اللّه أنفسهم ومشاعرهم وتصورهم من منطق البيئة الذي لا يتفق مع البديهية الأولى في شرط اللّه . .
--> ( 1 ) أخرجه الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي .